فخر الدين الرازي

119

تفسير الرازي

اعلم أن حاصل هذه الوجوه أنه لو نسب إلينا قولاً لم نقله لمنعناه عن ذلك . إما بواسطة إقامة الحجة فإنا كنا نقيض له من يعارضه فيه ، وحينئذ يظهر للناس كذبه فيه ، فيكون ذلك إبطالاً لدعواه وهدماً لكلامه ، وإما بأن نسلب عنده القدرة على التكلم بذلك القول ، وهذا هو الواجب في حكمة الله تعالى لئلا يشتبه الصادق بالكاذب . المسألة الثانية : الوتين هو العرق المتصل من القلب بالرأس الذي إذا قطع مات الحيوان قال أبو زيد : وجمعه الوتن و ( يقال ) ثلاثة أوتنة والموتون الذي قطع وتينه ، قال ابن قتيبة : ولم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه ، فكان كمن قطع وتينه ، ونظيره قوله علي السلام : " ما زالت أكله خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري " والأبهر عرق يتصل بالقلب ، فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال : هذا أوان يقتلني السم وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره . ثم قال : * ( فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) * . قال مقاتل والكلبي معناه ليس منكم أحد يحجزنا عن ذلك الفعل ، قال الفراء والزجاج : إنما قال حاجزين في صفة أحد لأن أحداً هنا في معنى الجمع ، لأنه اسم يقع في النفي العام مستوياً فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، ومنه قوله تعالى : * ( لا نفرق بين أحد من رسله ) * ( البقرة : 285 ) وقوله : * ( لستن كأحد من النساء ) * ( الأحزاب : 32 ) واعلم أن الخطاب في قوله : * ( فما منكم ) * للناس . واعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن تنزيل من الله الحق بواسطة جبريل على محمد الذي من صفته أنه ليس بشاعر ولا كاهن ، بين بعد ذلك أن القرآن ما هو ؟ فقال : * ( وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ) * . وقد بينا في أول سورة البقرة ( 2 ) في قوله : * ( هدى للمتقين ) * ما فيه من البحث . ثم قال : * ( وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ) * . له بسبب حب الدنيا ، فكأنه تعالى قال : أما من اتقى حب الدنيا فهو يتذكر بهذا القرآن وينتفع . وأما من مال إليها فإنه يكذب بهذا القرآن ولا يقربه . وأقول : للمعتزلة أن يتمسكوا بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله ، وذلك لأنه وصف القرآن بأنه تذكرة للمتقين ، ولم يقل : بأنه إضلال للمكذبين ، بل ذلك الضلال نسبه إليهم ، فقال : وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ، ونظيره قوله في سورة النحل : * ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائز ) * ( النحل : ) واعلم أن الجواب عنه ما تقدم . ثم قال تعالى : * ( وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ) * . الضمير في قوله : * ( إنه ) * إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان : الأول : أنه عائد إلى القرآن ، فكأنه قيل : وإن القرآن لحسرة على الكافرين . إما يوم القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين به ، أو في دار الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين والثاني : قال مقاتل : وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم ، ودل عليه قوله : * ( وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ) * ( الحاقة : 49 ) .